|
اللهجة الحسانية :
الاشتقاق والمصطلح
اللهجة في عرف أهل
اللغة اشتقاق من لهج بعني أولع بالأمر واعتاده والّلهج بالشيء الولوع به ، فيقال
فلان فصيح اللهجة بفتح الهاء وتسكينها وهي لغته التي جبل عليها فاعتادها ونشأ عليها
واللهجة اللسان، وفي
الحديث الشريف مامن ذي لهجة أصدق من أبي ذر . ويعني اللسان
واّلتي نعني بها طريقة
"Dialect"
" والأصل الاشتقاقي للفظة يحمل علاقة وثيقة بلفظ "لهجة
النطق اّلتي يتبعها
الإنسان ، فالّلهجة هي لغة الإنسان اّلتي جبل عليها واعتادها منذ النشأة
ويعرفها البعض بأّنها:
"العادات الكلامية لمجموعة قليلة من مجموعة أكبر من الّناس تتكلم لغة واحدة" وهذه
لعادة الكلامية تكون صوتية، أو هي طريقة معينة في الاستعمال الّلغوية توجد في بيئة
خاصة من بيئات اللغة اولو ذهبنا نتفحص نظرة القدامى لهذه الكلمة ومدلولها نجدها
تعني عند ابن جني والقالي وغيرهم من علماء الّلغة ويقصد بها لغات القبائل، وقد نظر
هؤلاء إلى العامية بأنها لغة رديئة ركيكة أفسدت على الّناس تفكيرهم الّلغوي، وشاع
أيضا مصطلح اللّحن واللّكنة وغيرهم مما يرونه يعيب الفصحى
وقد عرّف بعض الباحثين
المحدثين اللهجة بأنها سلوك لغوي أو علم لغوي يستقي مستوياته الصوتية والتركيبية من
علاقاتها بالفصحى واللهجات المحلية المجاورة
أما نسبة اللهجة إلى
الحسانية فتتعدد الأقوال وتتشعب في ذلك لكنها من خلال البحث تفتقر إلى الأسانيد
والأدلة، ويسود الاتفاق على أن النسبة تعود إلى قبائل بني حسّان الذين التي سكنت
منطقة الصحراء الغربية وموريتانيا مع قدوم قبائل بني هلال إلى المغرب العربي
ويرجع بطرس البستاني
نسبة الحسانيين إلى عرب المعقل وهم من نسل حسان بن مختار محمد بن معقل
واللهجة الحسانية هي
اللهجة المنطوقة في الصحراء الغربية في مفهومها الجغرافي والتاريخي الواسع حيث
تنتشر فضلاً عن الساقية الحمراء ووادي الذهب في موريتانيا وجنوب المغرب وجنوب غرب
الجزائر وشماال مالي
وقد نتج عن أمتزاج
لغات العرب القادمين من الشرق مع لغات البربر من صنهاجة الملثمين من جهة والعناصر
الأفريقية الزنجية من جهة أخرى تشكّل لهجة جديدة هي اللهجة الحسانية التي تمثل
عملية انصهار ثقافي ولغوي فريد يحتوي على عناصر اصطلاحية وتركيبية وصوتية مستمدة من
موروث كل تلك العناصر والمجموعات الأثنية
وجدير بنا هنا أن
نتوقف عند ملاحظة تتكرر في عظم الكتابات التي تناولت اللهجة الحسانية حيث توصف
بأنها أقرب اللهجات العربية إلى الفصحى وهذا القول يكون صحيحاً فقط عند مقارنتها
باللهجات المغاربية كما سنرى لاحقاً
تتميز اللهجة الحسانية
بغناءها المثير بالأنماط التعبيرية الشفاهية المتنوعة ففي مجتمع الصحراء الذي تقل
فيه الكتابة ووسائلها تصبح التعابير الشفهية هي وسيلة التواصل الناقلة للتجارب
والحافظة للذاكرة الجمعية التي تترسخ وتتجذر من خلال جلسات السمر التي تميز ليل
الصحراء الطويل حيث لاوسائل ترفيه ولاوسائط تواصل عدى الصور اللغوية المحمولة في
ثنايا الذاكرة الشعبية
وتضم اللهجة الحسانية
تراث شعري غني يتصف ببحوره وتفعيلاته ومقاماته المتنوعة التي شملت جميع مناحي
التعبير من غزل وفخر ومدح وهجاء ونقائض واخوانيات وغيرها، وتراث قصصي يشمل مختلف
مناحي الحياة وتخدم كل مجموعة قصصية أهدافاً تربوية أو دينية أو اخلاقية مختلفة
وتعتبر شخوص الرواية – هكذا تسمى الحكاية الصحراوية- ابطالاً معروفين في المجتمع
يعبر بهم عن حالات حقيقية عادة ما تستذكر في المواقف النقدية على الأخص، فشرتات
يرمز للنهم وتيبة رمز للبلاهة وغير هذا كثير، كما يتميز القصص الشعبي الصحراوي بصور
من الخيال الجميل حيث تحمل الجمادات والحيوانات معاني رمزية وتتصف بقدرتها على
الحديث والكلام على زعم انها كانت كلها ناطقة مثل الإنسان في زمن ماضي
كما تضم اللهجة
الحسانية كم كبير من الأمثال والحكم التي تتميز بارتباطها بالإنسان والأرض ونستطيع
أن نتلمس نمط العيش والرؤى من خلال انعكاس البيئة الصحراوية الإجتماعية والطبيعية
في ثناياها
وفضلاً عن الجوانب
الأدبية فإن اللهجة الحسانية تحمل تراثا علمياً قيماً خاصة في علوم الفلك (اسماء
النجوم ومواقعها والمطالع -المنازل الفلكية- ودلالتها في فهم التقلبات الجوية)
والطب والمناخ والنبات والجغرافيا والجيولوجيا في جانبها الجيومورفولجي (التضاريسي)
حيث تحمل اللهجة الحسانية تصنيف تفصيلي لجميع المظاهر التضاريسية الصحراوية ويكفي
هنا أن نشير إلى أن اصطلاحات مثل: القلب والكدية والقارة والظلعة والطارف والسن
والطوق والزملة والحنك وألوس والزبارة كلها وصف للمرتفعات غير أن الصحراوي يفهم
منها معنى دقيقا من حيث الشكل والحجم وحتى المواد المكونة له أحياناً
المؤسف في مصير اللهجة
الحسانية وهي التي حملت الموروث الثقافي الصحراوي الممتد لمئات السنين أنها لهجة
شفاهية قلما تكتب مما يعني أن الموروث المنقول عبرها معرض للزوال بزوال حامليه حيث
أصبح التواصل بين الأجيال أقل مما كان عليه في ظل انتشار وسائل الترفيه المعاصرة
كالفضائيات والانترنيت مما يدفع الى التفكير الجاد في ضرورة تسجيل التراث الحساني
وتوثيقه قبل أن نتحسر على ضياعه بين أهمال ابناءه وغزو خصومه حيث اضحى الانتشار
المهول للمستوطنين المغاربة في المدن الصحراوية المحتلة عاملاً آخراً في تشويه
اللهجة الحسانية تمهيداً لزوالها إذا لم تتدارك النخب الصحراوية مخاطر تشويه وزوال
أهم العوامل المميزة للشخصية الصحراوية التي انصاغت في صيرورة تاريخية عبر مئات
السنين
جذور اللهجة الحسانية
أخذاً بالرأي القائل
أن اللغة كائن حي يتغذى وينمو ويتكاثر ويموت أيضاً، نجد أن اللهجة الحسانية قد نمت
وتطورت من خلال صيرورة تاريخية طويلة تم فيها أمتزاج وتداخل تراث فكري ولغوي ومعرفي
غني لمجموعات بشرية متعددة الأصول جمع بينها الموطن الجغرافي ووحدة المعتقد الديني
بعد أعتناق جميع مكوناتها للعقيدة الإسلامية، ونظراً لكون اللغة العربية هي اللغة
الحاملة لرسالة الإسلام فقد شكلت الوعاء الذي أنصهرت فيه كل المعارف والمورثات
الفكرية للمجموعات البشرية غير العربية ولعل هذا مايفسر الغنى الكبير بالمفردات
العربية في اللهجة الحسانية ، وفي ذلك يقول الشاعر الحسّاني محمد فال ولد عيننّا
إنا بني حسان دلّت
فصاحتنا أنّا إلى العرب العرباء ننتسبُ
إن لم تقُم بيّناتٌ
أننا عربٌ ففي اللسان بيانٌ أننا عربُ
ويقول في ذلك مؤلف
"الوسيط في أدباء شنقيط" أحمد بن لمين الشنقيطي في حديثه عن لسان بني حسان بأنه
كلام عربي خالص بعضه ظاهر وفصيح إلأ أن تسكين المتحرك كثير فيه وبعضه لا يعرف له
اشتقاق
ويمكن أن نميز ثلاث أو
أربع مصادر (أوصول) للمفردات الحسانية كمايلي
1. المفردات العربية:
وتقدر بعض المصادر أنها تشكل النسبة الأكبر من مجموع مفردات القاموس الحساني
2. المفردات
الامازيغية: ولعل أغلبها من لغة الملثمين من صنهاجة أكبر المجموعات البربرية التي
انتشرت في الصحراء الغربية قبل موجة الهجرات العربية ونشير هنا إلى رأي الباحث
الليبي د.علي فهمي خشيم الذي خلص في دراسة مقارنة في اللسانيات إلى أن اللغة
البربرية والمصرية القديمة هي لغات عربية الأصل. وقد سبق للنسابة العربي الكلبي أن
نسب صنهاجة إلى حمير من القبائل اليمانية، وفي ذلك يقول شاعرهم
قوم لهم نسب العلياء
من حمير وإذا قيل صنهاجة فهمو همو
لما حووا فخار كل
عظيمة غلب الحياء عليهم فتلثموا
ونجد في اللهجة
الحسانية نسبة لابأس بها من المفردات البربرية وخاصة في أسماء أغلب المناطق
الجغرافية الصحراوية مثل "أغيلاس" ومعناه الشبل و"أغزومال" ومعناها الأسد و"تاغزومالت"
ومعناها "اللبؤة" وأدرار" ومعناها الجبل و"إمليلي" ومعناها الأبيض ونجد التشابه بين
هذا الأخير و"أمليلة" المستعمرة الاسبانية شمال المغرب و"عين أمليلة" المدينة
الجزائرية المعروفة، ومثل "تيرس" و"زمور" و"ميجك" و "أوسرد" و"تفاريتي" وغيرها
كثير. كما نجد المفردات البربرية في المفردات المتعلقة بالإنسان في مراحله العمرية
المختلفة مثل "إشير" للطفل الصغير و"تيشيرت" ومعناها طفلة و"أفكراش" ومعناها فتى و"أرغاج"
ومعناها إنسان كما هو معروف
3. المفردات الزنجية
(الأفريقية): وهي أقل من سابقاتها وتتزايد في اللهجة الحسانية المنطوقة في المناطق
القريبة من المجموعات الزنجية (جنوب وشرق موريتانيا) ونجدها في الصحراء الغربية في
بعض الأسماء مثل "المامي" وتعني الإمام أو الشيخ أي رجل الدين وأسماء مثل "ديدي"
و"بلاهي" و"ممدو" وغيرها كما ترد في اسماء بعض الأطعمة مثل "غرتا" أي الفول
السوداني و"كسكس"أو "الكسكسي" الطعام المعروف و"بيصام" وهو الوردة الفرعونية أو
الكركدي وغيرها ولعل أسماء بعض الأدوات الموسيقية أفريقية الأصل أيضاً
4. المفردات الأوروبية
(الاسبانية والفرنسية): وهي مفردات تسربت خلال الحقبة الاستعمارية ونجد أن بعض هذه
المفردات حرفت حتى يصعب تبين أصلها الأجنبي ومن أمثلة الكلمات الأجنبية واسعة
الاستعمال في اللهجة الحسانية المعاصرة كلمات "وتة" بمعنى سيارة و "لامبة" وهي
المصباح و"مرتيو" أي المطرقة و"بالا" ومعناها مجرفة و"الكوزينة" أي مطبخ وغيرها
بين اللهجة الحسانية
واللغة العربية الفصحى
يعرف معظم الدارسين
اللهجة الحسانية كإحدى اللهجات العربية وهو تعريف صحيح في عمومه فكما أسلفنا فإن
اللهجة الحسانية ذات جذور متعددة عربية وبربرية وزنجية وأوروبية وغيرها كما تتميز
بخائص لغوية مميزة لها، و على الرغم من المحتوى الهائل من المفردات والتراكيب
اللغوية العربية العديدة في اللهجة الحسانية فإن هذه التراكيب والصيغ اللغوية قد
تتطابق مع أوصولها العربية وقد تتغير بل وتكتسب خصائص نحوية ودلالية مغايرة لجذورها
العربية مما يعطي للحسانية خصائص ومميزات فريدة
ومن البداهة أن أوجه
التشابه بين اللغة العربية واللهجة الحسانية أكثر و أوضح من أن نتوقف عندها ولذا
فإننا نتوقف هنا عند صور من أوجه التباين بينهما
تسكين أوائل الكلمات
يبدأ عدد كبير من
الكلمات الحسانية بحرف ساكن حتى لو كانت أصولها عربية مثل: محمد(بتسكين الميم
الأولى) وقد يكتبها البعض "أمحمد" تمييزاً لها عن اسم محمد بضم الميم الأولى ، ومثل
"طبل" بتسكين الطاء في حين أن كلمة "طبل" بطاء مفتوحة كما هو معلوم ومثل كلمة
"كراع" بتسكين الكاف أيضاً والكلمة فصيحة وتلفظ بضم الكاف لاتسكينها ، جاء في
الحديث الشريف "لو أهديت لي ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت
والعرب لايسكنون أوئل
الكلمات أي أنهم لايبدأون الكلمة بحرف ساكن بل تظهر على الحرف الأول أحدى الحركات
المعروفة (الفتحة أو الضمة أو الكسرة)، حتى أن الشيخ محمد البشير الأبراهيمي كان
يكتب كلمة "فرنسا" هكذا "إفرنسا" لأن اسم فرنسا يبدأ بحرف ساكن في اللغة الفرنسية
تسكين الحرف الذي يلي
لام التعريف
وهو شبيه بسابقه غير
أن الحرف الساكن هنا يقع بعد أداة التعريف ويلاحظ هنا أن الحرف المشدد بعد اللام
الشمسية يسكن ويفقد خاصية التشديد بخلاف اللغة العربية الفصحى حيث يكون الحرف
الموالي لأداة التعريف متحركاً (يحمل أحدى الحركات) ويكون الحرف الموالي للام
الشمسية مشدد دائماً
وفي اللهجة الحسانية
تلفظ كلمة "السحاب" و"التمر" و"الشهر" بتسكين الحاء و التاء والشين على التوالي دون
تشديد هذه الحروف بينما تكون كلها مفتوحة ومشددة في أصلها العربي كما هو معلوم
أختلاف تصريف الفعل مع
بعض الضمائر
قد يكون اختلاف اللفظ
فرقاً سهلاً غير أن اختلاف تصريف الفعل مع الضمائر هو أختلاف بيّن وعميق بلاريب بين
اللهجة الحسانية واللغة العربية المعروفة لنا ، فإذا كنا نقول في اللغة العربية:
أنا أكتب وأنت تكتبين وهم يكتبون ، فإننا نقول في اللهجة الحسانية الأفعال نفسها
كما يلي : أنا نكتب وأنت تكتبي وهوما (هم) يكتبو.
وقس على ذلك جميع
الأفعال
أختلاف صيغ الجمع
توجد في اللهجة
الحسانية صيغاً للجمع تختلف بصورة كاملة عن صيغ الجمع في اللغة العربية للمفردة
ذاتها فتجمع كلمة امرأة على نساء ونسوة أما في الحسانية فجمع امرأة هو "عليات"
(بتسكين العين أيضاً)، وتجمع كلمة أم على صيغة "أمات" للإنسان والحيوان بخلاف اللغة
العربية حيث يكون جمع أم للإنسان هو أمهات. وقد ورد في الحديث الشريف "الجنة تحت
أقدام الأمهات"، ويجمع طفل في الفصحى على صيغة أطفال بينما في الحسانية تجمع كلمة
طفل على صيغة "تركة" ولعل الكلمة هنا مشتق من كلمة "التركة" أي ما يتركه ويخلفه
الإنسان بعد موته وتجمع كلمة كأس على صيغة "كيسان" بخلاف الشائع من لغة العرف حيث
تجمع على صيغة كؤوس مثل فأس وفؤوس ورأس ورؤوس وغير هذا كثير
أختلاف دلالة الكلمة
الواحدة في العربية والحسانية
والمقصود هنا أن ترد
الكلمة ذاتها بمعنيين مختلفين تماماً بحيث لوسمعها العربي الذي لا يفقه الحسانية
فهم منها غير مايفهم المتكلم بها ولعل هذا ما يشكل صعوبة اضافية على اخواننا العرب
في فهم اللهجة الحسانية
مثل كلمة "غليظ" التي
تعني في اللغة العربية خشن أو فظ أو جلف قال تعالى مخاطباً نبيه الكريم "فبما رحمة
من الله لنت لهم ولوكنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك" والكلمة بجميع معانيها
تحمل معنى سلبياً بينما نجد في اللهجة الحسانية أن كلمة "غليظ" تحمل معنى ايجابياً
فهي عبارة مديح فتقول" فلان رجل غليظ" أي أنه مترفع عن الدنايا وفي الشعر الحساني
يقول القائل
لحق للي ماهو كهان من
لعرب لغلاظ أهل الشأن
ومعنى ذلك أبلغ من ليس
بكاذب من العرب الأباة ذوي الشأن والمكانة
وكذلك كلمة "السحاب"
فهي في اللغة العربية مرادفة لكلمة "الغيوم" أما في الحسانية فتعني المطرنفسه فنقول
"جات السحاب" أي جاء المطر أو نزل
ومن الأمثلة في هذا
السياق كلمة "بائقة" وتعني المصيبة أو الكارثة والشاهد قول الشاعر محمود سامي
البارودي متذكراً بلاده بعد أن نفي إلى جزيرة سرنديب سريلانكا الحالية
ياروضة النيل لامستك
بائقة ولاعدتك سماء ذات أغداق
وتوجد بهذا المعنى
كلمة "بايقة" حيث تلفظ القاف هنا مثل الجيم المصرية وللكلمة في الحسانية معنى أخر
هو كثير" فنقول "بايقة من السكر" أي كثير من السكر وبايقة من الخلق أي كثيرمن الناس
ومن المناسب هنا
الإشارة إلى خاصية أخرى من خصائص اللهجة الحسانية وهي قلب همزة الوسط ياءً كما في
المثال السابق فيقال "ذيب" في كلمة "ذئب" و" بير" في "بئر" و"مايل" في كلمة "مائل"
...الخ و لهذا مايماثله في بعض اللهجات العربية
وكذلك كلمات من قبيل"
القعود" فهي في العربية ابن الناقة (صغيرها) وفي الحسانية تعني الفحل (الكبير)
و"العيش" وهو عند العرب يعني "الخبز" وفي الحسانية يعني " العصيدة" و"الساحل" أي
ساحل أو شاطئ البحر ومنه مصطلح "الساحل" المستعمل في الجغرافية السياسية المعاصرة
والذي يعني دول أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى على أعتبار أن الصحراء الكبرى
بحر من الرمال وفي الحسانية كلمة "الساحل" تعني "الغرب" الجهة الجغرافية المعروفة
وكلمة "الزمان" أي الوقت بينما في الحسانية كلمة "زمان" تعني "قبيلة" وهي كلمة
متقادمة قل استعمالها وإن كانت تتكرر في الشعر الحساني القديم
تصغير الكلمات
وتصغير الكلمات يحمل
دلالة التحبب والتلطف وهو معروف في اللغة العربية ومنه قول عمر بن أبي ربيعة
وغاب قمير كنت أرجو
غيابه وروَح رعيان ونوَم سمر
وكذلك قول عبد الرحيم
البرعي
أهاب سحيراً بالفراق
مهيب فلباه وجداً في الحشا ولهيب
ولكن التصغير نادر
الإستعمال في اللغة العربية وتكرر كتب النحو الأمثلة ذاتها تقريباً أما في اللهجة
الحسانية فإن التصغير شائع وواسع الإستعمال مما يمثل إثراءً للقاموس الحساني من
خلال مضاعفة عدد المفردات ويلعب هنا دوراً تقييماً يبين حجم الجسم المصغر
فنقول"واد" ونصغره على صيغة "أودي" فيفهم السامع أن المقصود وادي صغير أو ضيق
المجرى وقس على ذلك
قلب القاف غيناً
والعكس
وهو أمر شائع في
الحسانية فنجد هذا الخطأ حتى في النصوص المكتوبة دون مراجعة فيقولون "غرير العين"
في "قرير العين" والبلغان" في كلمة "البلقان" و"القروب" في كلمة الغروب وغيرهذا
كثيروهذه الظاهرة اللغوية لا تنفرد بها اللهجة الحسانية بل توجد في بعض اللهجات
العربية المحلية الأخرى في اليمن والسودان
اللهجة الحسانية
واللهجات العربية
اللهجة كأسلوب تواصل
مبسط ومشترك بين أفراد مجموعة ما تعتبر أصدق وأدل عناصر تميز هذه المجموعة، إذ أن
اللهجة (دون اللغة) هي أنعكاس لخصائص جغرافية وأثنية وتاريخية تشكل معاً شخصية
مميزة لهذه المجموعة البشرية
وقبل اعطاء أمثلة
لأوجه التشابه بين الحسانية وشقيقاتها من اللهجات العربية سيكون من المفيد استدعاء
التاريخ لتفسير هذا التشابه ومحاولة ولوج مدخل جديد لفهم اللهجة (اللغة) من خلال
اعادة قراءة التاريخ وربما الأنساب والسلالات أيضاً
يصف العالم الجغرافي
والرحالة الأندلسي الحسن الوزان المشهور باسم " ليون الأفريقي" في كتابه "وصف
أفريقيا" بصورة تفصيلية رحلة عرب المعقل ومنهم بنو حسان الذين تنسب إليهم اللهجة
الحسانية وحلفاءهم من بني هلال وبني سليم من موطنهم بنجد ومكوثهم الطويل بصعيد مصر
ثم هجرتهم إلى بلاد المغرب العربي واستقرارهم في الصحراء الغربية وموريتانيا، وهو
الموضوع الذي خصه بتحليل معمق الباحث الإسباني المتخصص في الصحراء الغربية كارو
باروخا ضمن دراسة نشرتها مجلة "افريقيا" الصادرة في مدريد
ونستطيع أن نتتبع
انعكاس هذه الرحلة التاريخية في التشابه، بل والتطابق أحياناً بين اللهجة الحسانية
واللهجات العربية خاصة في الجزيرة العربية (نجد والخليج العربي) وفي مصر تحديداً
وقد نعتبر بعض الكلمات
خاصة باللهجة الحسانية لعدم تداولها في اللغة العربية الفصحى ثم نتفاجأ وتعلو حين
نسمعها من أناس تفصل بيننا وبينهم ألاف الأميال وسنعرض ههنا نماذج لتلك الكلمات
والتعابير المتطابقة لتوضيح الفكرة
الحسانية ولهجة أهل
نجد والخليج العربي
نقول في الحسانية كلمة
"يزدح" بتشديد الزاي أي يتمدد ونقول "يشعبط" أي يتعلق فوق شيئ ما أويتسلق وقد وردت
هاتين الكلمتين بصورة "يسدح" و"يتشعبط" بنفس المعنى المعروف لنا في الحسانية في
رواية "بنات الرياض" للكاتبة السعودية رجاء الصانع الصادرة عن دار "الساقي" ببيروت
سنة 2005م، على لسان ابطالها النجديين
كما يكثر في لهجتهم
تعبير "أمسيكين" للتعبير عن الشفقة على شخص ما وهو التعبير نفسه المستعمل في اللهجة
الحسانية لفظاً ومعنى
كما نجد في بعض
اللهجات الخليجية تحويل حرف الجيم إلى ياء فيقولون في كلمة "مسجد" لفظ "مسيد" وفي
الحسانية نجد أن كلمة "مسيد" هي المصلى وعندنا ثلاثة مناطق تحمل كل منهم اسم "لمسيد"
الأولى الواحة الواقعة قرب مدينة العيون والثانية واقعة بين العيون وبوجدور
والثالثة إلى الشمال الشرقي من بلدة الحكونية ضمن المنطقة التي اقتطعتها اسبانيا من
الصحراء الغربية والحقتها بالمغرب عقب تحالف النظام المغربي مع اسبانيا وفرنسا ضد
المقاومة الصحراوية ضمن مؤامرة "ايكوفيون" سنة 1948م
ومن الكلمات المتطابقة
بين الحسانية واللهجات المنطوقة في منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي مثلاُ لا
حصراً "الخلفة" وتعني الناقة الحلوب و"الفريق" بمعنى المخيم أو الحي بلفظ القاف
جيماً في بعض لهجاتهم وجيماً مصرياً في الحسانية وبعض اللهجات العربية ومن أمثلة
الكلمات المتطابقة كلمات الخاطر والخيمة والشكوة والقربة والراحلة ولكطاع (بنفس
الكاف) وكلمة الكاف(بكاف معجمة) وان اختلفت الدلالة قليلا
ومن المفيد هنا
الإشارة إلى انتشار العنعنة في اللهجات المنطوقة بين العرب المنتشرين حول مكة عند
بدء الدعوة الاسلامية، حيث تنطق هذه القبائل الهمزة عيناً ونستذكر مثيلاتها في
لهجتنا الحسانية - وهو مانعتبره خطأ شائعا- مثل المعتمر (المؤتمر ) والقرعان (
القرآن ) وقولنا : قلت لك عن فلان ( قلت لك أن فلان .. ) وغيرها
ويمكن هنا أن نضيف
الملاحظة التي أوردناها سالفا عن قلب همزة الوسط ياءً في الحسانية وهو ما يحدث في
بعض اللهجات العربية فيقال "بير" في بئر و"ذيب" في كلمة ذئب وغيرها كثير
بين الحسانية واللهجة
المصرية
وقد يكون من اليسير
تقبل الإئتلاف الحاصل بين الحسانية واللهجات العربية في الخليج العربي لأنها لهجات
بدوية ولكن المتمعن في اللهجة الشعبية المتداولة في مصر يسترعي انتباهه كم معتبر من
الكلمات والتعابير التي نعتبرها "حسانية" ومنها
كلمة "زكيبة" وهي
الكيس الكبير أو الشوال فنقول زكيبة من السكر وزكيبة من القمح وتلفظ في الحسانية
بكاف تشبه الجيم المصرية في حين تلفظ في مصر بكاف عادية
وكلمة "ضلفة" أي قطعة
الخشب ونلفظها في الحسانية "ظلفة" بإبدال الضاد ظاءً ، وكذلك كلمة "فز" وهي فعل أمر
بمعنى أنهض سريعاً وهي متطابقة في اللهجة المصرية والحسانية لفظاً ومعنى ويقول
المثل الحساني "التخمام ألا فزات نارب" أي أن الخواطر والأفكار تأتي فجأة
ومن الكلمات الحسانية
المستعملة في مصر كلمة " بَح" بفتح الباء وهو تعبير يقال للأطفال بمعنى أنتهى أو لم
يعد موجوداً وعادة في إشارة إلى الطعام، والغريب أن هذه الكلمة التي وصفت آنفاً
بالحسانية هي كلمة تعود جذورها إلى اللغة الفرعونية القديمة
ومن التعابير
المتطابقة لفظاً ومعنى في الحسانية والمصرية القول" فلان يتحلف في فلان" بمعنى
يتهدده أو يتوعده وكذلك نجد تعبير "بالناقص منه" وهو تعبير عن التضايق من شيء ما
ونستبدل الصاد بالسين في الحسانية
ومن الطريف هنا أن
نشير إلى أن التعبير المصري الشائع" يخرب بيتك" ماهو إلا التعبير الحساني المعروف
لنا " يخلي خيمتك" المتداول بكثرة ولابد من التذكير هنا أن اللهجات العربية في
المنطقة المغاربية لاتستعمل هذا التعبير أو مايشابهه |